السيد عبد الله شبر
291
الأخلاق
ومصرعهم تحت التراب ، ويتذكر صورهم في مناصبهم وأحوالهم ، وكيف تبددت أجزاؤهم في قبورهم ، وكيف ارملوا نساءهم وأيتموا أولادهم وضيعوا أموالهم وخلت منهم مساجدهم ومجالسهم ، وانقطعت آثارهم ، وأوحشت ديارهم . ومهما تذكر رجلا رجلا وفصل في قلبه حاله وكيفية حياته وتوهم صورته وتذكر نشاطه وتردده وأمله في العيش والبقاء ونسيانه للموت وانخداعه بمواتاة الأسباب وركونه إلى القوة والشباب وميله إلى الضحك واللهو وغفلته عما بين يديه من الموت الذريع والهلاك السريع ، وانه كيف كان يتردد والآن قد تهدمت رجلاه ومفاصله ، وكيف كان ينطق وقد أكل الدود لسانه ، وكيف كان يضحك وقد أكل التراب أسنانه ، وكيف كان يدبر لنفسه ما لا يحتاج اليه إلى عشر سنين في وقت لم يكن بينه وبين الموت الا شهر ، وهو غافل عما يراد به حتى جاءه الموت في وقت لا يحتسبه ، فانكشفت له صورة ملك الموت ، وقرع سمعه النداء إما بالجنة أو بالنار فعند ذلك ينظر في نفسه انه مثلهم وغفلته كغفلتهم ، والسعيد من اتعظ بغيره . والذاكرون للموت على أقسام : فمنهم المنهمك في اللذات المنكب على الشهوات ، فهو ان اتفق ذكره للموت تأسف على دنياه واشتغل بمذمته وفرّ منه غفلة عن قوله تعالى : « أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة » وقوله تعالى : « قل ان الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم » ويزيده ذكر الموت من اللّه بعدا . نعم ربما استفاد تنغص نعيمه وتكدر لذته ، فيتجافى عن الدنيا . ( ومنهم ) التائبون الذين يكثرون ذكر الموت لينبعث من قلوبهم الخوف والخشية فيفوا بتمام التوبة ، وربما كرهوا الموت خيفة من أن يختطفهم قبل تمام التوبة وقبل إصلاح الزاد ، وهم معذورون في كراهة الموت غير داخلين